AM+ Talk
AM+ LAB
img

خلف أرقام المنصوري.. كيف تحولت رخص البناء إلى رافعة استثمار بـ110 مليارات درهم؟

قفز عدد المستفيدين من تبسيط شروط الحصول على رخص البناء بالعالم القروي من 550 ألف نسمة إلى 1.8 مليون نسمة، وارتفعت الاستثمارات المرتبطة بهذه المشاريع من 10 مليارات درهم إلى 110 مليارات درهم، فيما تضاعف عدد الدواوير المشمولة بالإجراءات الجديدة نحو خمس مرات.

أرقام كشفت عنها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلس النواب، لكنها تطرح في العمق سؤالا أكبر مفاده هل نجح المغرب أخيرا في معالجة أحد أكثر الملفات تعقيدا في السياسة الترابية أي البناء في العالم القروي؟

فلسنوات طويلة ظل السكن القروي أحد أكثر المجالات التي تعكس التناقض بين النص القانوني والواقع الميداني، ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تتحدث عن محاربة البناء غير القانوني وضبط التوسع العمراني، كانت آلاف الأسر القروية تجد نفسها عاجزة عن الحصول على تراخيص لبناء مساكنها بسبب شروط تقنية وإدارية لا تنسجم دائما مع خصوصيات المجال القروي.

والنتيجة كانت واضحة بحيث جرى رصد توسع البناء غير المرخص، وتعقيد مساطر الاستثمار، وتنامي الإحساس لدى جزء من سكان القرى بأن التشريعات العمرانية صممت أساسا للمدن أكثر مما صممت للفضاءات القروية.

من هنا جاءت الدورية الخاصة بتحديد مدارات الدواوير باعتبارها واحدة من أهم التغييرات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، فقبل صدورها، كان عدد السكان المستفيدين من التسهيلات لا يتجاوز 550 ألف نسمة، بينما أصبح اليوم يصل إلى حوالي 1.8 مليون نسمة، أي بزيادة تناهز 1.25 مليون مستفيد إضافي وهذا يعني عمليا أن شريحة واسعة من سكان العالم القروي أصبحت قادرة على الحصول على رخص البناء دون التقيد بشرط الحد الأدنى للمساحة الذي كان يشكل أحد أبرز العراقيل أمام الأسر الراغبة في البناء أو توسيع مساكنها.

ولا يتوقف الأمر عند عدد السكان، وإنما يشمل المجال الترابي المستفيد من هذه التسهيلات، فعدد الدواوير المحددة انتقل من 975 دوارا إلى 4698 دوارا، أي بزيادة تقارب خمسة أضعاف خلال فترة وجيزة كما توسعت المساحة المشمولة من 15 ألف هكتار إلى 130 ألف هكتار، ما يعني أن المجال الترابي المعني بالإجراءات الجديدة أصبح أكبر بحوالي تسع مرات مما كان عليه في السابق.

وهذه الأرقام تعكس تحولا في النظرة إلى العالم القروي، فبدل التعامل معه باعتباره فضاء ينبغي تقييد توسعه العمراني، أصبحت المقاربة الجديدة تقوم على مواكبة النمو الطبيعي للتجمعات السكنية القروية ومحاولة تأطيره قانونيا وتنظيميا، فالكثير من الدواوير كانت تتوسع بشكل فعلي على الأرض بينما تظل خارج المدارات المعترف بها إداريا، ما يجعل أي عملية بناء أو توسعة تدخل في دائرة التعقيد أو المخالفة.

ويظهر أثر هذا التحول بوضوح في حجم الطلب على التراخيص، فقبل صدور الدورية كان عدد الملفات المدروسة لا يتجاوز 52 ألفا و855 طلبا، بينما ارتفع اليوم إلى 193 ألفا و423 طلبا، وبمعنى آخر فإن الإدارة تلقت أكثر من ثلاثة أضعاف الطلبات التي كانت تتوصل بها سابقا ولا يعكس هذا الرقم فقط ارتفاعا في الطلب، بل يكشف أيضا عن وجود طلب مكبوت لسنوات داخل العالم القروي كان ينتظر تليين المساطر والشروط.

أما على مستوى المشاريع التي حصلت فعلا على الموافقة، فقد ارتفع عددها من 28 ألفا و103 مشاريع إلى أكثر من 111 ألف مشروع. أي أن عدد المشاريع المرخصة تضاعف بأكثر من أربع مرات. وهذا المؤشر مهم لأنه لا يقيس فقط عدد الطلبات المقدمة، بل يقيس أيضا قدرة المنظومة الجديدة على تحويل هذه الطلبات إلى تراخيص فعلية ومشاريع قابلة للإنجاز.

ومن بين المعطيات الأكثر دلالة تلك المرتبطة بالسكن القروي نفسه، فقد ارتفع عدد المشاريع السكنية من 22 ألفا و844 مشروعا إلى 62 ألفا و200 مشروع.

والأهم أن 68 في المائة من هذه المشاريع تهم مساحات تقل عن ألف متر مربع، وهو ما يؤكد أن المستفيد الرئيسي من هذه الإجراءات ليس كبار المنعشين العقاريين أو المستثمرين الكبار، بل الأسر القروية المتوسطة والصغيرة التي تبحث عن بناء مسكن أو توسيع منزل قائم أو تسوية وضعية عقارية كانت عالقة.

لكن الرقم الذي يختزل حجم التحول أكثر من غيره هو الاستثمارات، فبحسب المعطيات الرسمية، انتقلت القيمة الإجمالية للاستثمارات من 10 مليارات درهم إلى 110 مليارات درهم، ونحن هنا أمام زيادة تعادل أحد عشر ضعفا مقارنة بالفترة السابقة، وهذا المعطى لا يعكس فقط دينامية عمرانية، بل يشير إلى حركة اقتصادية واسعة تشمل مواد البناء والمقاولات المحلية والحرفيين والمهندسين ومكاتب الدراسات وسلاسل التوريد المرتبطة بالبناء.

ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الاقتصادي للعالم القروي، فالقرية المغربية تجاوزت اعتبارها فضاء للإنتاج الفلاحي وباتت مجالا للاستثمار والسكن والخدمات والسياحة القروية والأنشطة المرتبطة بالاقتصاد المحلي، وبالتالي فإن تسهيل البناء صار يؤثر على الأسر وأيضا على الدورة الاقتصادية المحلية برمتها.

غير أن توسع البناء يطرح في المقابل تحديا آخر يتعلق بالتخطيط العمراني فتبسيط المساطر لا يعني التخلي عن الضوابط، لأن أحد أكبر المخاطر التي تواجه التوسع العمراني القروي يتمثل في ظهور تجمعات سكنية تفتقر إلى التجهيزات الأساسية والبنيات التحتية والخدمات العمومية وهنا تبرز أهمية المعطى الثاني الذي قدمته الوزيرة والمتعلق بوثائق التعمير.

وبحسب الأرقام الرسمية، بلغت نسبة تغطية الجماعات القروية بوثائق التعمير 84 في المائة، ويعني ذلك أن أغلب الجماعات أصبحت تتوفر على أدوات قانونية لتوجيه النمو العمراني وتحديد استعمالات الأراضي وتوقع حاجيات السكان مستقبلا كما تمت المصادقة على 145 تصميم نمو للتكتلات القروية، وهي وثائق تهدف إلى تنظيم توسع الدواوير والتجمعات السكنية وتفادي نموها بشكل عشوائي.

وفي هذا السياق، تراهن الوزارة أيضا على مشروع القانون 64.23 المتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان. ويعد هذا المشروع أحد أهم الأوراش المؤسساتية المطروحة حاليا، لأنه يسعى إلى تجاوز تشتت المتدخلين وتجميع الاختصاصات داخل مؤسسات جهوية موحدة تتولى تدبير ملفات التعمير والإسكان بشكل أكثر نجاعة.

والرهان الأساسي وراء هذه الوكالات يتمثل في تقليص آجال دراسة الملفات وتبسيط المساطر الإدارية وتعميم الشباك الوحيد، بما يسمح بتقريب الخدمات من المواطنين والمستثمرين على حد سواء فكلما ارتفع عدد الطلبات والمشاريع، ازدادت الحاجة إلى إدارة أكثر سرعة وفعالية وقدرة على مواكبة الدينامية الجديدة.

و تكشف الأرقام التي عرضتها فاطمة الزهراء المنصوري، عن ارتفاع عدد الرخص أو المشاريع وتحول أعمق في علاقة الدولة بالعالم القروي، فمنطق المنع والتقييد الذي طبع جزءا من السياسات العمرانية لعقود بدأ يفسح المجال تدريجيا لمنطق التأطير والمواكبة والتنظيم، فيما يبقى التحدي الأكبر في السنوات المقبلة هو ضمان أن يتحول هذا التوسع العمراني إلى تنمية ترابية متوازنة لا إلى مجرد توسع للبناء وأن تنجح الدولة في مواكبة هذا النمو بالخدمات والتجهيزات وفرص التنمية الاقتصادية التي تجعل من القرية فضاء للعيش والاستقرار، لا مجرد امتداد عمراني خارج المدن.

شاهد الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مُشار إليها بعلامة (*)

مختصرات

أحدث المنشورات

الأكثر قراءة

الأكثر تعليقًا