أكدت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي، من مدينة داليان الصينية، أن السيادة في القرن الحادي والعشرين تبنى عبر الشراكات، معتبرة أن المغرب بات شريكا موثوقا يقيم علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين الدوليين ويضع إفريقيا في صلب رؤيته لمواجهة الأزمات العالمية.
وقد يبدو تصريح المسؤولة الحكومية، للوهلة الأولى مرتبطا بملفات الطاقة والتنمية المستدامة، لكنه في الواقع يحمل دلالات أوسع تتجاوز القطاع الطاقي نحو فلسفة كاملة باتت تؤطر تموقع المغرب داخل عالم يعيش واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل موازين القوة منذ نهاية الحرب الباردة.
ففي الوقت الذي تعود فيه مفاهيم السيادة إلى واجهة النقاش العالمي بقوة، تجاوز السؤال المطروح كيفية حماية الدول حدودها إلى كيفية تحماية مصالحها الاقتصادية والتكنولوجية والطاقية في عالم تتشابك فيه سلاسل الإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا بشكل غير مسبوق، ولهذا يبدو أن الرباط اختارت صياغة مفهوم خاص للسيادة لا يقوم على الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي المطلق، بل على بناء شبكة واسعة من المصالح والتحالفات الاقتصادية والاستراتيجية.
ويأتي هذا الخطاب في ظرفية دولية شديدة التعقيد، فمنذ جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وصولا إلى التوتر التجاري والتكنولوجي المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، اكتشفت القوى الكبرى نفسها أمام هشاشة غير مسبوقة في سلاسل التوريد العالمية.
وأصبح الأمن الطاقي والغذائي والصناعي جزءا من الأمن القومي للدول، كما عادت مفردات مثل “إعادة التموقع” و”السيادة الصناعية” و”استقلالية القرار الاقتصادي” إلى قلب السياسات العمومية في أوروبا والولايات المتحدة والصين.
وسط هذه التحولات، اختار المغرب عدم الانخراط في منطق المحاور المتصارعة، فالمملكة ترتبط بشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وتتمتع بعلاقات اقتصادية عميقة مع الاتحاد الأوروبي وفي الوقت نفسه توسع تعاونها مع الصين والخليج وإفريقيا وهذا التوازن لم يعد مجرد خيار دبلوماسي، بل تحول إلى رافعة اقتصادية تستهدف جذب الاستثمارات والتكنولوجيا وتعزيز موقع المملكة داخل سلاسل القيمة العالمية.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في قطاع الطاقة الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم أوراق القوة المغربية، فالمغرب الذي كان قبل سنوات قليلة يعتمد بشكل شبه كلي على الخارج لتأمين حاجياته الطاقية، أصبح اليوم من أبرز المستثمرين في الطاقات المتجددة على المستوى الإفريقي ولم يكن الرهان فقط تقليص فاتورة الاستيراد، بل خلق موقع جديد للمملكة داخل الاقتصاد الأخضر العالمي.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار الرسمي على الحديث عن الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي مع أوروبا والمشاريع الضخمة للطاقة الشمسية والريحية فهذه المشاريع لا ينظر إليها باعتبارها مجرد منشآت لإنتاج الكهرباء، بل باعتبارها أدوات لإعادة تموقع المغرب داخل الاقتصاد الدولي المقبل، الذي ستصبح فيه الطاقة النظيفة إحدى أهم العملات الاستراتيجية.
ولا يقل ملف المعادن الحيوية أهمية عن الطاقة، فالعالم يعيش سباقا محموما حول الموارد الضرورية لصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والتكنولوجيات الرقمية، ومع تزايد الطلب العالمي على هذه المعادن تحاول المملكة استثمار موقعها الجغرافي وقاعدتها الصناعية المتنامية وشبكتها الإفريقية لتصبح فاعلا داخل هذه السلاسل الجديدة بدل الاكتفاء بدور السوق المستهلكة.
أما حين تتحدث بنعلي عن الذكاء الاصطناعي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالتكنولوجيا فالتنافس العالمي حول الذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطا بشكل مباشر بالطاقة إذ تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن مراكز البيانات العملاقة التي تشغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ستحتاج خلال السنوات المقبلة إلى كميات هائلة من الكهرباء وهذا يعني أن الدول القادرة على إنتاج طاقة نظيفة ومستقرة وبأسعار تنافسية ستكون في موقع متقدم لاستقطاب الاستثمارات الرقمية الكبرى.
وبهذا المعنى، فإن الرهان المغربي على الطاقات المتجددة لا يهدف فقط إلى مواجهة التغيرات المناخية، بل أيضا إلى التحضير لاقتصاد جديد ستصبح فيه الطاقة النظيفة شرطا أساسيا لجذب الصناعات الرقمية المتقدمة ومراكز البيانات والمنصات التكنولوجية العالمية.
لكن ما يميز الخطاب المغربي أكثر هو التركيز المتكرر على استمرارية المؤسسات والرؤية بعيدة المدى، ففي عالم يتغير بسرعة وتتقلب فيه الحكومات والسياسات الاقتصادية بشكل متسارع تسعى الرباط إلى تقديم نفسها باعتبارها فضاء يوفر وضوح الرؤية والاستقرار التشريعي والمؤسساتي للمستثمرين وهي عناصر أصبحت اليوم لا تقل أهمية عن الامتيازات الضريبية أو الموقع الجغرافي.
غير أن نجاح هذا الرهان يبقى مرتبطا بقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذه الشراكات إلى نتائج ملموسة، فالقيمة الحقيقية لأي تموقع دولي لا تقاس بعدد المؤتمرات أو الاتفاقيات الموقعة، وإنما بمدى انعكاسها على التشغيل ونقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي ورفع تنافسية المقاولات المغربية.


